صديق الحسيني القنوجي البخاري

214

فتح البيان في مقاصد القرآن

والعبرة في الاستطابة والاستلذاذ بأهل المروءة والاخلاق الجميلة من العرب فأن أهل البادية منهم يستطيبون أكل جميع الحيوانات فلا عبرة بهم لقوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] فإن الخبيث غير مستطاب فصارت هذه الآية الكريمة نصا فيما يحل ويحرم من الأطعمة . وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ أي أحل لكم صيد ما علمتم ، وقرأ ابن عباس ومحمد ابن الحنفية علمتم بضم العين وكسر اللام أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها . قال القرطبي : وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح وهو ينظم الكلب وسائر جوارح الطير ، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل ، وهو الأكل ، والجوارح الكواسب من الكلاب ، وسباع الطير . قال : أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده الذي صاده وأثّر فيه بجرح أو تنييب وصاد به مسلم ، وذكر اسم اللّه عند إرساله ، أن صيده صحيح ويؤكل بلا خلاف ، فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف . فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبه ذلك وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب ، يقال جرح فلان واجترح إذا اكتسب ، ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها ، ومنه اجتراح السيئات ، ومنه قوله تعالى : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] وقوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ [ الجاثية : 21 ] . مُكَلِّبِينَ المكلب معلم الكلاب لكيفية الاصطياد ومؤدبها ومضريها بالصيد ، وخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب . ولم يكتف بقوله : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مع أن التكليب هو في اللغة التعليم ، لقصد التأكيد لما لا بد منه من التعليم ، وفسره في الجلالين بالإرسال فليتأمل مستنده في هذا التفسير ، والتفاسير فسرته بالتعليم . وفائدة التقييد المبالغة في التعليم لما أن اسم المكلّب لا يقع إلا على التحرير في علمهم ، وقيل إن السبع يسمى كلبا فيدخل فيه كل سبع يصاد به لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اللّهم سلط عليه كلبا من كلابك » « 1 » ، قال في الكشاف فأكله الأسد ، قال الطيبي : هذا حديث موضوع قال الخفاجي وليس كما قال بل هو حديث صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث أبي نوفل قال الحاكم وهو صحيح الإسناد .

--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 539 .